محمد عبد الله دراز

176

دستور الأخلاق في القرآن

بغيض إلى قلوبنا : « ولا تبغّض إلى نفسك عبادة اللّه » « 1 » . وملاحظة أخيرة ، ولكنها ليست أقل الملاحظات صدقا ، تلك هي أنّ الّذي يخطئ بالإسراف في عمل معين ، ينتهي غالبا إلى أن يخطئ بالتقتير في نفس العمل ، بل وقد يعرض عنه إعراضا نهائيا ، ومثل هذا الإنسان ، في منطق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كمثل فارس منهمك في مضماره ، فهو لا يلبث أن يرهق فرسه ، حتّى يقتلها ، دون أن يبلغ هدفه : « إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » « 2 » . وليس الأمر في هذه الأمثلة كلّها أمر إزالة عقبة ماثلة ، وإنّما هو التّهيؤ لمواجهة عقبات محتملة ، وإن كانت تقريبا مؤكدة . والحل لا يتدخل لتغيير بعض الأشياء في بنية العقل ، وإنّما هو يتدخل في مدة الفعل ، ليفرض عليه في اللحظة المناسبة قرارا منسجما مع الإرادة .

--> ( 1 ) هكذا ورد الحديث : ( إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإنّ المنبت لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى فأعمل عمل امرئ تظن أن لم يموت أبدا ، واحذر حذرا تخشى أن تموت غدا ) . انظر ، مسند أحمد : 3 / 198 ح 13074 ، الكافي : 2 / 86 ح 1 ، مسند الشّهاب : 2 / 184 ح 1147 ، سنن البيهقي الكبرى : 3 / 18 ح 4520 و 4521 ، شعب الإيمان : 3 / 402 ح 4886 ، معرفة علوم الحديث : 1 / 95 ، منية المريد : 200 ، الأحاديث المختارة : 6 / 120 ح 2115 ، بحار الأنوار : 68 / 211 ، الفردوس بمأثور الخطاب : 1 / 235 ح 900 ، فتح الباري : 11 / 297 ، كشف الخفاء : 2 / 284 ح 2339 ، فيض القدير : 2 / 544 و : 6 / 245 ، الجامع الصّغير : 1 / 384 ح 2508 و : 2509 ، كنز العمال : 3 / 36 ح 5350 ، وسائل الشّيعة : 1 / 109 . ( 2 ) المراجع السّابقة ، وقال الهيثمي : وفي إسناده يحيى بن المتوكل أبو عقيل ، وهو كذاب . « المعرب » . وانظر ، الجرح والتّعديل : 9 / 189 ، مجمع الزّوائد : 1 / 62 ، لكن في مجمع الزّوائد : 8 / 27 قال : وثقه ابن معين . انظر ، الكافي : 2 / 87 ، المجازات النّبوية للشريف الرّضي : 260 ، وسائل الشّيعة : 1 / 110 ، منية المريد : 200 .